15 Dec 2017 Story Air

إريك سولهايم: مكافحة الضباب الدخاني الكثيف

بقلم إريك سولهايم، المدير التنفيذي للأمم المتحدة للبيئة

ولقد اعتاد سكان مدينة لندن على استنشاق الدخان المليء بالسموم. ففي مدينة فيكتوريا البريطانية، كان الضباب الدخاني البني المروع الذي غطى العاصمة يعرف باسم "البازلاء"، سميك جدا أنه في الأيام السيئة كان من المستحيل قراءة كتاب بوضوح بسبب الدخان. وبعد أن أودى الدخان المعروف باسم القاتل العظيم عام 1952، بحياة نحو 12,000 ألف شخص والذي استمر لمدة أسبوع واحد، قررت الحكومة أخيرا معالجة مشكلة الضباب الدخاني الذي مزق مدين لندن والذي بسببه أطلق على مدينة لندن لقب مدينة "الدخان الكثيف".

وقد كافحت لندن من أجل التخلص من هذه الظاهرة التي تعد"بصمة عار". في حين أن تلوث الهواء قد يكون أقل غير مرئي اليوم، إلا أنه أكثر فتكا. فكل يوم، يتنفس أكثر من ثمانية ملايين شخص من قاطني مدينة لندن الهواء الذي يعتبر ملوث وغير آمن وفقا لمعايير منظمة الصحة العالمية. وهذا يعني أن الآلاف من سكان المدينة يموتون قبل الأوان كل عام بسبب الخليط من التلوث الهوائي والضباب الدخاني المليء بالسموم الذي يلوث هواء المدينة.

يموت الآلاف من سكان المدينة قبل الأوان كل عام بسبب الخليط من التلوث الهوائي والضباب الدخاني المليء بالسموم الذي يلوث هواء المدينة.

وهذا التلوث لن يساعد على التمتع بالقراءة، ولكن الحقيقة هي أن هذه الغازات الضارة والجزيئات الصغيرة من السم تخترق بعمق داخل رئتينا، وتلحق أضرارا دائمة بأجسادنا. فبدءا من من إيلينغ إلى نهاية الشرق، يولد الأطفال في جميع أنحاء لندن بصورة مبكرة، وينمو الأطفال مع رئتين ضعيفة ويعد كبار السن أكثر عرضة للموت المبكر بسبب النوبات القلبية والسكتات الدماغية وسرطان الرئة وأمراض الرئة الأخرى مع تقدمهم في السن. وتظهر الدراسات أن تلوث الهواء يسرق بمعدل عامين من حياة كل طفل ولد في لندن في عام 2010. ويجب وقف هذا التلوث الرهيب الذي يشكل خطرا كبيرا في مدارسنا ومنازلنا.

ومرة أخرى، لندن في خضم حالة طوارئ بشأن التلوث الرئيسي. وهذه المرة هناك خطة لمعالجة أسبابه الجذري. فنحن نعرف بالفعل ما يجب القيام به لتنظيف الهواء الملوث في العاصمة. وتسبب المركبات نحو 50 في المائة من تلوث الهواء في المدينة. ولتحسين صحة سكان لندن، يجب على العاصمة تحويل نظام النقل الخاص بها، وإزالة المركبات التي تسبب انبعاث الأدخنة الأكثر ضررا من طرقها.

هذا ما سنقوم به بالضبط في العاصمة لندن. سيدخل فرض رسم جديدة على المركبات المسببة للأدخنة السمية الأكثر تلويثا حيز التنفيذ في 23 أكتوبر. وتعني فرض هذه الرسوم أن مركبات الديزل والبنزين التي تفشل في الوفاء بمعيار الانبعاثات الأوروبية 4 - وهي عادة تلك المسجلة قبل عام 2006 - ستضطر إلى دفع مبلغ إضافي قدره 10 جنيهات إسترلينية في كل مرة تأتي فيها إلى وسط لندن. وحسبما تم فرض رسوم سابقا على التسبب في إحداث الازدحام، فإن هذا ينبغي أن يقلل بشكل كبير من عدد من المركبات الملوثة التي ينبعث منها أدخنة ضارة.

لندن هي في طليعة تحالف متزايد من المدن التي تسعى إلى مكافحة الآثار المدمرة التي تلوث الهواء وتدمر صحتنا واقتصاداتنا وبيئتنا
 

على كل حال، فإن هذه هي فقط البداية. كما يخطط رئيس البلدية، الذي ضاعف مبلغ المال الذي تنفقه المدينة على معالجة الضباب الدخاني، لتنظيف أسطول الحافلات في المدينة من خلال إعادة تأهيل 5000 سيارة من سياراتها القديمة. وسيؤدي ذلك إلى خفض مستوى انبعاثات أكسيد النيتروجين الضار بمقدار ثلاثة أرباع. وسيتم طرح حافلات هجينة وكهربائية جديدة فى العام المقبل لزيادة خفض الانبعاثات. وستقوم لندن أيضا بتخفيض سيارات الأجرة من الديزل والاستثمار فى موانئ الشحن الكهربائى فى جميع انحاء المدينة فى إطار خططها لتقديم منطقة انبعاث منخفضة للغاية بوسط لندن.

وهذه خطوات جريئة من شأنها أن تساعد لندن على تحقيق هدفها الأكثر طموحا: تحقيق أهداف منظمة الصحة العالمية التوجيهية لجودة الهواء بحلول عام 2030 - "المعيار الذهبي" لنوعية الهواء. تعد لندن أول عاصمة في العالم تلتزم بهذا الهدف كجزء من تعهدها بحملة "تنفس الحياة" التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية، و"الأمم المتحدة للبيئة" و "وائتلاف المناخ والنظيف النظيف". وهذا يضعها في طليعة ائتلاف متنام للمدن التي تسعى إلى مكافحة الأثر المدمر الذي يلحقه تلوث الهواء على صحتنا واقتصاداتنا وبيئتنا.

وخلال العام الماضى انضمت أكثر من 40 مدينة الى حملة تنفس الحياة مع التزامات عامة بخفض تلوث الهواء الذى يقتل حوالى 6.5 مليون شخص حول العالم كل عام. وتتيح الحملة للمدن الأدوات اللازمة لتنظيف الهواء القذر الذي يصيب مواطنيها. وتعد لندن بمثابة دليل على أن الأمور العظيمة تحدث عندما يقوم القادة باتخاذ سياسات تقوم على أساس العلوم. ولكننا بحاجة ماسة إلى المزيد من المدن للانضمام إلى التحالف. إن هذا وباء عالمي - والكثير من الملوثات نفسها التي تضر بصحتنا هي التي تقود أيضا إلى تغير المناخ.

يعلمنا تاريخ لندن أنه إذا وجدت أزمة فإن هناك فرصة كبيرة للتغيير - شريطة أن نعمل معا

ومن ثم على المدن أن تتحد من أجل مكافحة الضباب الدخاني. ومن خلال الاستثمار في أشكال النقل الأنظف، وتحسين طريقة بناء المدن والتحول إلى أشكال أكثر خضرنة من الطاقة، فإننا لا نعزز صحة شعبنا فحسب. بل نعمل على إبطاء الاحترار العالمي عن طريق الحد من "الانبعاثات المناخية قصيرة الأجل" من الكربون الأسود الناجم عن انبعاثات المركبات والميثان الناجم عن مصادر مثل مقالب النفايات. من خلال معالجة المصادر الرئيسية لتلوث الهواء في المناطق الحضرية فنحن أيضا نقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، والتي استمرت لقرون طويلة الأجل وتهدد صحة لكوكبنا. وإذا ما أراد العالم أن يحافظ على الاحترار دون المستويات المنصوص عليها في اتفاق باريس المناخ، فمن الأهمية أن تتبع المدن قيادة لندن والانتقال فورا لمعالجة التلوث في الهواء.

ويعلمنا تاريخ لندن أنه إذا وجدت أزمة فإن هناك فرصة كبيرة للتغيير - شريطة أن نعمل معا. وفي عام 1854، ساعد الطبيب البريطاني جون سنو على تحسين صحة الملايين في جميع أنحاء العالم عندما اكتشف أن مضخة بئر واحدة تسببت في تفشي الكوليرا في المدينة. ويعرف دكتور جون سنو الآن باسم والد علم الأوبئة، وعملت نتائج سنو  على تحسين وبشكل كبير نوعية المياه في لندن، وقد بدأت المدن تحذو حذوها، في جميع أنحاء العالم. واليوم، نعرف بالفعل مصادر تلوث الهواء ونعرف بالفعل كيفية معالجتها. لقد حان الوقت مرة أخرى للمدن أن تحذو حذو مدينة لندن للقضاء على هذا الخطر. وتعد الحاجة إلى القيام بذلك واضحة تماما مثل الهواء الذي يستحق كل منا تنفسه.